د. تامر المغازي يكتب: السلطان المظلوم عبد الحميد الثاني (1)

يعد السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918) أحد أبرز سلاطين الدولة العثمانية على الإطلاق، حيث مثل حكمه (1876-1909) نقطة مفصلية بين محاولات الإصلاح الأخيرة وآفاق السقوط.

لكن شخصيته المحافظة والحازمة،إلى جانب سياسته التي أُطلق عليها “سياسة الإرجاء”، لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت نتاجاً طبيعياً لمرحلة تكوين مبكرة عاشها في قصور إسطنبول، شهدت أحداثاً جساماً شكلت وعيه ومخاوفه ورؤيته للحكم.

ولد جلاله السلطان عبالحميد الثاني في ظل أيام الضعف، فقد ولد عبد الحميد الثاني في 21 سبتمبر 1842م، الموافق 16 شعبان 1258هـ، في قصر “جراغان” في إسطنبول.

وكان والده السلطان عبد المجيد الأول، الذي حكم في فترة بالغة التعقيد، حاول خلالها مواصلة سياسة الإصلاحات المعروفة بـ “التنظيمات”، بينما كانت الدولة تغرق في الديون وتواجه ضغوطاً أوروبية متزايدة وتمردات في البلقان .

أما والدته فهي “تيرمُجكان قادين” من أصل شركسي، والتي توفيت بسبب مرض السل وهو في العاشرة من عمره فقط.

هذه الفقدان المبكر للأم ترك أثراً عميقاً في نفس الأمير الصغير، فغرس فيه ميلاً إلى العزلة والتفكير العميق، كما أوكلت رعايته بعد ذلك إلى الزوجة الثانية للسلطان عبد المجيد، “بيرِستو قادين”، التي اعتنت به وأحسنت تربيته.

نشأ عبد الحميد في القصر السلطاني (طوب قابي) حيث تلقى تعليماً تقليدياً مكثفاً ومتنوعاً .

مثل العلوم الدينية حيث أتقن اللغة العربية ودرس القرآن الكريم، والتفسير، والفقه، والحديث. وهذا ما غرس فيه التديّن العميق الذي اشتهر به لاحقاً.

وكذلك تعلم العلوم والآداب ودرس التاريخ الإسلامي والعثماني، والأدب الفارسي، والموسيقى.

كما أبدى اهتماماً خاصاً بالجغرافيا، وهو اهتمام سينعكس على سياسته الخارجية.

وقد اتقن عدد من اللغات بالإضافة إلى التركية والعربية، تعلم اللغة الفارسية، وكان لديه معرفة جيدة باللغة الفرنسية، مما أتاح له متابعة الصحف والمطبوعات الأوروبية بنفسه.

لم يكن تعليمه أكاديمياً فحسب، بل كان يراقب عن كثب الأحداث الجسام التي تهز الدولة.

فقد عاش في طفولته وشبابه على وقع حرب القرم (1853-1856) والتي كشفت عن عمق التدخل الأوروبي في شؤون الدولة.

وكان هناك اضطرابات داخليه مثل تمردات في بلاد الشام والبلقان.

وكان هناك تزايد النفوذ الأجنبي عبر ما عُرف بـ “الامتيازات الأجنبية” التي أنهكت اقتصاد الدولة العثمانية العظيمة .

هذه الأحداث جميعها زرعت في نفسه قناعة راسخة بأن الدولة محاطة بأعداء يتربصون بها، وأن القوى الأوروبية لا تريد لها إلا التفكك والانهيار.

وفي مرحلة المراهقة والشباب.. قام برحلته إلى أوروبا واكتساب الخبرة .

في عام 1863، رافق عمه السلطان عبد العزيز في رحلته التاريخية إلى مصر، ثم في جولته الكبرى في أوروبا (1867) والتي شملت فرنسا وإنجلترا والنمسا وبروسيا (ألمانيا حالياً).

كانت هذه الرحلة بمثابة نافذة واسعة فتحت عيني الأمير عبد الحميد على الحضارة الأوروبية الحديثة، فتأثر بتقدمها التقني وتنظيمها العسكري والإداري.

لكن الملاحظة الأهم التي خرج بها لم تكن إعجاباً أعمى، بل كانت خليطاً من الإعجاب والقلق.

فقد رأى بعينيه قوة أوروبا الصناعية والعسكرية، وفي الوقت نفسه أدرك نواياها التوسعية وخطورة أفكار القومية التي تهدد كيان الدولة العثمانية المتعدد القوميات.

من هنا، بدأت تتشكل رؤيته المستقبلية و ضرورة تحديث الدولة من الداخل (عسكرياً وتقنياً) مع الحفاظ على هويتها الإسلامية ووحدة أراضيها، والابتعاد عن التبعية للدول الأوروبية.

بحلول عام 1862، كان عبد الحميد شاباً في العشرين من عمره، قد تكوّنت لديه ملامح شخصية واضحة .

فكان جدي وكتوم عُرف عنه ميله إلى الصمت والتفكير الطويل، والابتعاد عن حياة الترف واللهو التي أحاطت بكثير من الأمراء.

وكان محب للعلم والعمل فقد كان يقضي ساعات طويلة في المطالعة والدراسة، واهتم بالشؤون الإدارية والحرف اليدوية، حتى إنه تعلم النجارة وأبدع فيها، وكان له ورشة خاصة داخل القصر.

وكان عبدالحميد المعظم مشبع بروح الإسلام نظرته للدولة كانت تنطلق من كونها “دولة إسلامية” يجب أن تحافظ على مكانتها كزعيمة للعالم الإسلامي.

ولكنه كان واقعي وحذر فقد اعطته خبرة السنوات الأولى مما جعلته ينظر إلى العالم من حوله بنظرة واقعية شديدة الحذر، لا يثق بسهولة لا بالأجانب ولا ببعض رجال الدولة أنفسهم.

لم تكن السنوات العشرون الأولى من حياة السلطان عبد الحميد الثاني مجرد تمهيد لحكمه، بل كانت المختبر الذي تشكلت فيه عقليته وروحه.

كانت مزيجاً من الألم بسبب فقدان الأم، والاطلاع الواسع على العلوم التقليدية والحديثة، والمعايشة المباشرة لأزمات الدولة الخارجية والداخلية.

كل هذه العوامل صنعت سلطاناً سيحكم إمبراطورية على حافة الهاوية، محاولاً إنقاذها بكل ما أوتي من دهاء وإصرار، ليدخل التاريخ بلقب “السلطان المظلوم” أو “آخر السلاطين العظماء” بحسب وجهات النظر المختلفة.

Bir yanıt yazın

E-posta adresiniz yayınlanmayacak. Gerekli alanlar * ile işaretlenmişlerdir

Başa dön tuşu