
د.تامر المغازي يكتب: الحب الحقيقي.. عملة نادرة في زمن السرعة
في زمن تطغى عليه السرعة والعلاقات السريعة، أصبح “الحب الحقيقي” يشبه عملة أثرية نادرة، يسمع عنها الجميع، لكن قلّة من يحملونها بين أيديهم.
بين انشغالات الحياة وضغوطها، ووسط زحام التطبيقات التي تختزل المشاعر في “سوايب” يمين أو شمال، غدا العثور على ارتباط حقيقي يشبه العثور على لؤلؤة في محيط واسع.
هذه الندرة بالذات هي ما تجعل من هذا الكنز، عندما يُعثر عليه، جديراً بالدفاع عنه والتمسك به بكل ما أوتينا من قوة.
عصر العلاقات القابلة للاستهلاك نعيش في عصر “الاستهلاكية” بامتياز، حيث لم تسلم المشاعر من هذه القاعدة.
لقد تحولت العلاقات في كثير من الأحيان إلى سلع يُختبر استخدامها، فإن لم تُرضِ النتائج الفورية، يتم الاستغناء عنها ببحثٍ سريع عن بديل.
لقد خلق الرقمي وهماً بالوفرة، وجعلنا نعتقد أن خياراتنا لا حصر لها، متناسين أن الكم لا يعوّض أبداً عن جودة الارتباط العميق الذي يبنى على الوقت، والصبر، والتضحية.
- ما الذي يجعل الحب “حقيقياً” ونادراً؟
- الحب الحقيقي ليس مجرد انجذاب عاطفي عابر أو مصلحة مشتركة.
إنه قرار يومي بالبقاء، والتفهم، والدعم.
هو ذلك الارتباط الذي لا ينهار عند أول عاصفة، بل يخرج منها أكثر متانة.
هو أن تريحك وجودة لا أن تكون مصدراً للقلق، أن يكون سندك في الضعف وحليفك في النجاح.
هذه المواصفات لا تتوفر في كل علاقة، مما يرفع من قيمتها ويجعلها استثناءً وليس قاعدة.
لماذا يجب أن نتمسك بهذا الحب عندما نجده؟
لأن التخلي عن كنز ثمين بدعوى أن هناك ما هو أفضل في الزاوية التالية هو وهم خطير.
الندرة تعني أن الفرصة قد لا تتكرر.
التمسك بالحب الحقيقي هو استثمار في السعادة الداخلية والاستقرار النفسي على المدى الطويل.
إنه القرار الذي يحمي الإنسان من دوامة الوحدة التي قد تختبئ خلف عشرات الصداقات والمواعيد.
في عالم متقلب، يكون الحب الصادق هو المرفأ الآمن الوحيد.
كيف نتمسك به؟
التمسك لا يعني الخوف من التغيير أو التعلق المرضي.
بل يعني الوعي بقيمته و إدراك أن ما تمتلكه هو شيء خاص لا يتاح للجميع.
الاستثمار فيه عبر التواصل الفعال، والتفاني، وعدم ترك الروتين يقتل روح العلاقة.
تقبل عدم الكمال فالحب الحقيقي ليس بحثاً عن شريك مثالي، بل هو بناء علاقة مثالية مع شريك غير كامل، وتقبل عيوبه كما تتقبل محاسنه.
حمايته من الخارج بحماية العلاقة من تدخلات الآخرين وتأثيرات الضغوط الاجتماعية التي قد تهدم ما تم بناؤه بشق الأنفس.
في النهاية، إذا كان الحب الحقيقي عملة نادرة، فإن قلوبنا هي خزائنه.
قد تمر علينا في الحياة فرص عديدة للارتباط، ولكن القلة منها فقط تكون حاملة لصفة “الحقيقي”.
لذلك، إذا منحك القدر هذه النعمة، فلا تتهاون في قيمتها، ولا تتركها تفلت من بين يديك بسهولة.
اعمل على رعايتها، واحميها، وتذكر دائماً أن في عالم يبيع الوهم، يكون التمسك بالحقيقة هو أعظم انتصار.
الحب ليس مجرد شعور، بل هو التزام.
والالتزام بشيء نادر هو ما يمنح حياتنا معنى وقيمة حقيقية.




